Bitcoin roulette

القائمة الرئيسية

الصفحات


الخط المغربي، خصائص وأنواع  

عند النظر إلى التاريخ وإلى الموسوعة العلمية وتفحص الوثائق والأحجار والنقوش والوقفيات والبراءات السلطانية، نقر بأن الخط المغربي قائم بذاته موجود وقديم، والتوقف عند خصوصياته يستلزم قراءة ذاتية لمعرفته ورحلته عبر التاريخ. ترى ما هي ملامحه المشتركة التي تجعل منه شخصية مستقلة تميزه عن الخطوط المشرقية؟ وما هو الرونق الخاص الذي تحمله حروفه؟ وكيف يميل إلى الأشياء الطبيعية؟

مبدئياً، وبالرجوع إلى الوراء، نتوقف عندما حمل الفاتحون المسلمون الدين والشرائع الإسلامية إلى سكان المغرب، وفرضوا في الحين نفسه وجوب استعمال اللغة العربية على البربر، الذين كانت لهم في ذلك العهد كتابة خاصة بهم تعرف بـ “تيفناع”، التي لا تزال مستعملة للآن عند الطوارق في الصحراء الجزائرية، وكانت القيروان المحطة الأولى التي انطلق منها الحرف العربي إلى بقية أقطار الشمال الإفريقي والأندلس وغرب أفريقيا.

الكتابة المغربية الأصلية ظلت تسمى حتى القرن الخامس الهجري بالكتابة القيروانية، لأنها ولدت في القيروان عاصمة المغرب الكبيرة آنذاك، في أوائل القرن الثاني الهجري، من الخط الكوفي مباشرة ولم تقتبس من النسخي الحجازي (المكي والمدني) خلافاً لما حصل للخطوط المستعملة في النسخي في المشرق.

لقد أدى انتشار الإسلام في أفريقيا إلى الاهتمام بالكتابة وحفظ القرآن، وإذا كانت الوسيلة الأولى للمعرفة هي الكتابة دون مراعاة القواعد الفنية التي يكتب بها الحرف العربي، أو حتى تهذيب الحروف وتحسينها وإعطائها تكاملاً وتناسقاً وبعداً جمالياً، فإن مرد ذلك إلى ما كانت عليه أفريقيا من البداوة والترحال والخوف من المجهول، عدا قصر فترات الدول المتعاقبة.

وبداية من القرن الأول للهجرة أخذ العلماء في القيروان بنشر الكتابة والخط خارجها، وكان خطهم يسمى: بـ “القيرواني”، وهو الكوفي القيرواني المتأثر بالكوفي العراقي، وبداية من القرن الرابع الهجري بدأ التغيير يطغى على هذا الخط مع الاحتفاظ باستقامة أشكاله، والمغاربة تشبثوا بالخط القيرواني ولم يحاولوا مجاراة غيرهم من خطاطي المشرق في تطوير الخط والابتعاد تدريجياً عن الكوفي، بل أصبح لهم خط مستقل يعرف بالخط الأفريقي يستجيب لحاجياتهم أثناء الفتوحات الإسلامية.

كانت الحركة التجارية مزدهرة بين ضفاف البحر الأحمر، ولأن قدماء سكان مصر والسودان، وما كان يسمى بأفريقيا كانوا على اتصال بالعرب وبكل ما يتعلق بالعرب، فقد تقبلوا دعوة الإسلام، ولا ننسى ما كان بين العرب وأهل الحبشة من صلات حتى أن أول هجرة للمسلمين كانت للحبشة.

لقد كان للبربر خط ولا نزال نجد صفحات مكتوبة بخطهم القديم “تيفناع” وحروفه هي حروف اللهجات البربرية، إن بربر ليبيا كانت لهم حروف خاصة بهم وكذلك الشأن بما يسمى الآن بـ “الطوارق”، لكن سيطرة الخط العربي شيء وارد حتى أن طائفة من البربر اختارت أن تكتب بالعربية، ويوجد عدد من علماء البربر من الذين يكتبون باللسان العربي الفصيح، وترجع اللغة العربية إلى كونها نقلت كلام الله وشريعته إلى الشعوب، فاكتسبت أداة نقل هذا الخطاب السامي نوعاً من القدسية إلى درجة أن يعد معها إثماً العبث بكل مكتوب عربي.

صورة أولى للخط المغربي

من الجدير بالملاحظة ظهور نوع من الخط الكوفي المحلي في بلاد المغرب والأندلس، عرف بالخط الكوفي المغربي، شاع استخدامه في كتابة مصاحفها ومكاتباتها، وهو أقرب إلى خط النسخ والثلث، حيث يتميز بحروفه التي تجمع في شكلها بين حروف الخط الجاف واللين معاً، مما يعطيها طابعاً مميزاً لا تخطئه العين ويجعلها أكثر طواعية في التنفيذ.

يلجأ كاتب هذا النوع من الخط إلى كتابة بعض الحروف مثل اللام والنون والياء النهائية بهيئة أقواس نصف دائرية تهبط على مستوى السطر وتتكرر على امتداده، كما يمزج الخطاط بين هذه الاستدارات وبين الحروف الأخرى ذات الشكل الجاف وفي الزوايا، مما يذكرنا بالكتابة العربية البدائية، وقد ظل هذا النوع مستخدماً حتى حل محله خط النسخ في كتابة المصاحف في القرن 7 هـ – 13 م.

الخط المغربي يحمل في ثناياه نفحة أولية من تلك الحضارات الأولى، وتطور إلى أن استقل عن النفوذ المشرقي وصاغ لنفسه شخصية وميزة عامة لها خصوصياتها وذاتها وقواعدها، ولا مرية أن الحضارة المغربية الأندلسية طبعته بما لها من مميزات، كالفسيفساء التي دخلته فتداخلت الحروف في فن رائع، تزيد في روعته صعوبة قراءته، وكأنه يحتوي على أسرار يتدلل في الكشف عنها، إذ يبدي زينته للقارئ ويخفي عنه مفاتنه، ومفاتيح فك رموزه.

الكتابة المغربية اللينة اشتقت مباشرة من الخط الكوفي الجاف، وكان هذا الاشتقاق في نفس الفترة التي شاع فيها استعمال الخط اللين المشرقي لذلك نستبعد أن يكون الخط المغربي قد أخذ ليونته من المشرق، فللمغاربة اعتزاز بما وصلوا إليه من تطوير في الكوفي إلى حد اعتبار الخطوط المشرقية أقل مستوى من خطهم المغربي.

لقد قبل المغاربة الخط العربي، وهجروا كتابتهم القديمة، وقد أنشأوا خطاً ذا خصائص مغربية لا يزال يحافظ على ثلث حروف الخط اليابس (الكوفي)، والخط المغربي يمتاز بعراقته الواسعة ورسو سطره، فكان نوعًا فريدًا من الخطوط العربية، وقد تطور بمعزل عن الخط المشرقي وخالفه في ترتيب الحروف الأبجدية: أنواعه قليلة، تطوره بطيء، جنى عليه ارتباطه بالكوفي وخلوه من القواعد والموازين، أو ضياعها فبقي خط تدوين، قاصراً في مجال اللوحات واللافتات إلا النادر، وقد أثر في ترقيته تعاقب الدويلات في المغرب وقصر أعمارها حتى لقد استعصى على الناشئة قراءته، وابتعد عنه الخطاطون المعاصرون وتقاعسوا عن إحيائه وتطويره، ولا يزال يظهر في بعض المجالات، خصوصًا في المغرب وموريتانيا، أما في أواسط أفريقيا فلا يزال هو السائد خصوصًا في المصحف الشريف.

والخط المغربي التقليدي واضح كل الوضوح ولا يخلو من جمالية بعيدة عن كل تصنع، إن أهل فاس مثلاً أخفوا بالنسيج وفوقه الجبس الكتابة المزخرفة التي تزين قوس محراب جامع الأندلس المجاور له، عندما دان المغرب إلى المرابطين الذين تشددوا في أمور الدين فمنعوا كل زخرف ونقش، الشيء الذي فعله أهل الأندلس بمساجدهم للحفاظ على زخارفها في نفس العهد، ولم يحد المتوحدون عن هذه السياسة، وذلك جلي في المساجد التي بنوها، إذ لم تكشف المساجد الأولى عن فسيفسائها إلا بعد اندحار المرابطين والموحدين.

اكتفى المغاربة في البداية بتلطيف أشكال الكوفي الحادة والمزواة دون أن يضيفوا إليها أكثر من نقط الحرف التي تكسبه كل ما تستطيع الكتابة العربية من دقة، وفيما بعد زادوا في التأنق عند تسطير بعض الحروف، وخففوا أشكال البعض الآخر المثقلة، ولكن لم يزدهر قط فن الكتابة عندهم، وإذا كان البرابرة يعيشون إلا أقلهم عيشة بداوة أو نصف بداوة، فلم يعرفوا قط الترف ولم يتعاطوا كل الفنون، ومن ضمنها الكتابة، إلا لحاجتهم الأشد عجلة.

المدرسة المغربية

تمثل هذه المدرسة المغرب والأندلس، وقد جودت الخط الكوفي في القرون الخمسة الأولى للهجرة، وعندما لينته لأغراض التدوين حافظت على عدة حروف منه على حالها في الكوفي، وكانت أنواع الخطوط قليلة وفروعها ضئيلة، وليس لها قواعد تضبطها، ولعل من العوامل التي قيدت الكتابة المغربية تفرعها عن الكوفي الجاف وتحجرها على كثير من رسومه وآثاره، فلم تبتعد عنه بل تكتب بشكل واحد في الابتداء والتوسط والتطرف، وأصل الكتابة المغربية نجدها موزونة ومتناسبة للألف باستثناء العراقات التي تشطط في التقويس وكبر الحجم، وكذلك رأس العين بالنسبة لعراقته وكانت منبسطاتها مستقيمة أو منكبة.

 إن بعض الحروف تتخذ دائماً امتداداً مبالغاً فيه وتقوساً لا مبرر له وذلك في بعض الحروف ذات العراقات مثل: “س، ص، ل، م، ن” ولم يكن لشكل كل حرف طابع خاص به لاختلاف الكتابة المغربية، فقد تعترضك صفحة حررتها يد واحدة بها ثلاثة أو أربعة أشكال مختلفة للحرف الواحد.

بعض خصائص الخط المغربي

لم يرفض المغاربة كل ما جاء إليهم من الشرق، فقد قبلوا ترتيب الحروف الهجائية مع اختلاف يسير، استعملوا نقط الإعجام (نقط الفاء بواحدة من أسفل والقاف واحدة من أعلى) وقد ظل استعمال الخط اليابس (للكوفي) في المصاحف المغربية حتى القرن الخامس الهجري، ويلاحظ تطور الخط إلى الليونة:

1) نلاحظ ليونة في عراقات “النون” وأشباهها فقد تقوست وخالفت أصلها اليابس.
2) رسمت الألف على استقامة وحذف منه العقف الذي كان يلحقها من جهة اليمين.
3) تنحدر الألف المتصلة عن مستوى السطر فتكون زائدة كوفية هي من المميزات التي نراها باقية في الخط المغربي، ولعل هذا راجع إلى بدء رسمها من أعلى.
4) بحكم عدم وجود قواعد محددة لهذا الخط، لا يمكن فرض أبجدية خاصة، إذ كثيرًا ما يعمد الخطاط في هذا الخط إلى طمس الأحرف وذلك باستعمال أشكال متغيرة للحرف الواحد ويربط الكلمات ببعضها، مما يجعل الأسطر متماسكة تماسكاً محكماً يساهم في دعم البنية الأفقية للصفحة، وإن تعذرت القراءة فإن ذلك من خاصيات هذا الخط.

أما عن أنواع الخطوط المغربية فيقول ابن خلدون : “حصل في دولة بني مرين بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلسي” ثم يوضح أن هذا اللون من الخط إنما هو الأندلسي المتمغرب، حيث أخذت الكتابة تكتمل مغربيتها من عصر بني مرين إلى أن صارت متميزة عن الخط الأندلسي في وضعها وفي إغفال نقط الحروف الأخيرة وفي عدم تقطيع حروف الكلمة الواحدة بين أخر السطر وأول السطر التالي.

في الفترة الأخيرة ضبط الدارسون للخط المغربي عدة خطوط منه:

1) الخط القيرواني: خاصيته أن تظهر حروفه قصيرة وقريبة من بعضها على خط من التناسق، والنقط الموضوعة على كل الحروف النهائية، تمثل بياناً يميز الخط بين القيرواني وغيره.

2) الأندلسي: هو من بين أنواع الخط المغربي أسهلها تعرفاً، حيث أن السطر العمودي هو عامة أدق من السطر الأفقي، وتتجمع الأحرف القصيرة والمستديرة على شكل جد كثيف، وتكون مجموعات الأسطر غالبًا ما تأتي متقاربة، فـ “ياء” آخر الكلمة توضع نقطة فوق جزئه النهائي بدلاً من أن توضع تحته، تجمع الكلمات هنا أكثر التحاماً مما هو في القيرواني والفاسي.

3) الفاسي: له من الأناقة الحظ الكبير بفضل طول الأسطر العمودية الذي كان يبلغ حد الشطط والتباعد بين الأحرف التي تمتد أشكالها بنوع من الوفرة، والأسطر التي رق حجمها ومظهرها قليلاً وتبدو على تناسق كبير.

4) السوداني: شكله جاف، أشكال الحروف الثقيلة هي نهاية في عدم التناسق، الأسطر كثيفة أحياناً ودقيقة أحياناً أخرى، ترتفع الأسطر العموديـة إلى علو كبير لا تناسب بينه وبين غلظة الكتابة وشكل القفلات وانحدار الكتابـة العام، قوي البروز.

إن حالة الإبداع في الخط المغربي بجميع أنواعه وأصنافه وخصوصياته لها أسباب منها:

- مهارة الخطاط المبدع من حيث المرونة والمطاوعة.
- الميل إلى الاستحداث والابتكار.
- الإثارة والإعجاب والامتزاج الفني والروحي.
- التدريب المستمر والتركيز الذهني الجيد.
- حيوية الخطوط وقابليتها على التشكيل.
- مواكبة روح العصر بالمحافظة على الأصالة الثابتة.
- التنافس المشروع بإشاعة روح الجمال.

وقد استقر الخط الأندلسي المتمغرب في خمسة أنواع، وأشكال:

1) المبسوط: سمي بهذا الاسم لبساطته وسهولة قراءته، وبه تطبع المصاحف المغربية الشريفة على المطابع الحجرية.

2) الخط المجوهر: وهو أكثر الخطوط المغربية استعمالاً، به تحرر الرسائل الخصوصية والعمومية والمراسيم السلطانية والظهائر الملكية، يكثر استعماله حيث طبعت به الكتب العلمية في المغرب، نعت بالمجوهر نسبة لعقد الجوهر لجماله وتناسب حروفه وتناسق سطوره.

3) الخط المسند أو الزمامي: وهو خط خاص بالوثائق العدلية والمذكرات الشخصية والتقييدات الذاتية.

4) الخط المشرقي: هو خط مقتبس من الكتابة المشرقية وبخط الثلث خاصة، ولكن اليد المغربية تصرفت فيه ومغربته فكان الذوق المغربي قد أضفى عليه مسحة محلية، بهذا الخط تزخرف عناوين الكتب وتكتب عادة الحروف غليظة متداخلة بعضها في البعض، وأحيانًا يكتب به بماء الذهب، ولا تزال إلى اليوم نماذج منه في الوقفيات الرخامية على جدران المدارس المرينية بفاس ومكناس وسلا، وسمي بالمشرقي لأن أصله من بلاد المشرق.

5) الخط الكوفي: وهو خط وجد في المصاحف القديمة منقوشاً على الحجر وأبواب بعض قصبات المغرب وفي المساجد العتيقة، وهو خط خاص تكيف مع الوضع المغربي، وهذا الخط ورثه المغاربة في جملة ما ورثوه عن الحضارة الأندلسية.

 إن العلامة التي تطبع الكتابة المغربية هي أن طبيعة السطر هي الطابع الأكثر شمولاً للأمثلة المغربية، مثلاً:

1) حواشي السطر المغربي مدعوكة عوضاً أن تكون ذات جوانب حادة وجلية.
2) قلما تأتي السطور العمودية من (ا، ل، ط، ظ) مستقيمة وتتخذ شكلاً منحنياً وتحمل في طرفها الأعلى شيئاً كالنقطة الغليظة، وتأتي هذه الخاصية الأخيرة التي تلاقيها في بعض الخطوط المستقيمة من قلة مائعية الحبر الذي كان يستعمله المغاربة، لكأنهم مضطرون إلى أن ينقطوا بالقلم قبل الشروع في رسم الحرف.
3) إن الخطاط المغربي لا يخط دون توقف إلا سطر أو سطرين، وهذه العادة العامة كانت عامل الربط بين الحروف المكونة للجموع قريبة من البيئة دائماً.
5) تارة تفصل بين الحروف “بياضات” وتارة يعلو سطر الربط الحرف الذي يجب أن يتصل به، وقد لا نفهم أشكال بعض الحروف ومن بينها (ع، غ) وسط الجموع.
6) لا يخط في الكتابة المغربية “السنينة” العمودية التي تنتهي بـ “ص، ض” في وسط الكلمة أو في أولها.
7) تتخذ أواخر الحروف دائماً امتداداً مبالغاً فيه في: “ش، س، ص، ض، ل، م، ن” وقلما توضع نقط الحروف النهائية في: “ف، ق”.
لقد اقتصرت الكتابة المغربية على المصاحف القرآنية وبعض الزخارف الخطية المزينة للعمارة الإسلامية في المساجد، خاصة المنحوتة على المرمر، وقد عمل كتاب المصاحف على انتشارها وبقيت صامدة إلى يومنا هذا، ويعود الفضل الكبير للمحافظين على هذا التراث الكتابي في المخطوطات الموجودة في المكتبات المنتشرة في مدن المغرب وقراه، ولدى المؤدبين والكتاب والإداريين وعدول الأشهاد، والطموحات متاحة إلى ضبط خاصية هذا الخط وتحديد مقاييسه واستخلاص قاعدة ثابتة لأبجديته العامة، كل حرف على حدة، وهو أمر موكول للباحثين والدارسين معاً.

تعليقات

محتويات الموضوع