القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخوة الإيمانية صفة ملازمة للإيمان



الأخوة الإيمانية صفة ملازمة للإيمان
سبط الرسول الأمين مولانا أمير المؤمنين سيدي محمد السادس نصره الله 

الأخوة الإيمانية صفة ملازمة للإيمان


الأخوَّة في الله ليستْ مجردَ كلمة تلفظها الأفواه، ولا لحنًا يتغنَّى به الشعراء؛ بل هي معنًى عظيمٌ، ودين يُرجى من الله ثوابُه، فأهلُ المحبَّة في الله على منابر النور في المحشر، يَغبطهم لأجلها خيرُ الخلق على الإطلاق؛ فقد روى الترمذيُّ وغيره من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أنه قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله - عز وجل: المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نور، يغبطهم النبيُّون والشهداء)).

وجعل الله الأخوةَ فيه أوثقَ عُرى الإيمان؛


 فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما روى الطبراني من حديث ابن عباس: ((أوثقُ عرى الإيمان: الموالاةُ في الله، والمعاداةُ في الله، والحبُّ في الله، والبغضُ في الله))[1]، فإذا رأيتَ الرجلَ يُحِبُّ في الله، ويُبغِض فيه، فاعلم أن هذه علامة إيمان فيه، وفضلٌ عظيم من الله وُفِّق إليه، فالمحبُّ في الله وصل منزلةً من الإيمان جعلتْه يقود رغبتَه وميلَ قلبِه، ويثني طِباعَه وما جُبلتْ عليه نفسُه، لتصبح منقادةً لما يحبه الله ويرضاه.
وإن المتأمِّل لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي بيَّن فيه غايةَ ما يسعى إلى تحصيله عدوُّنا الشيطان، ومنتهى ما يصبو إليه؛ فقال: ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب؛ ولكن في التحريش بينهم))[2]، فانظر إلى اقتران التحريش بعبادة الشيطان، فغايتُه الأولى أن يُعبَد من دون الله، وإذا عجز عن تحقيق مراده، تنحَّى إلى المرتبة التي تليها، وهي فصْلُ تلك الروابط الإيمانية بين المسلمين، عن طريق إحداث النزاع بالتحريش، فقد أدرك اللَّعينُ أنه إذا بقي في قلب المؤمنِ شيءٌ من ذلك، فلن يستطيع الوصول إلى قلبه ولا استعباده، فترابُطُ القلوب بهذا المعنى لا يَدَعُ مجالاً للأعداء في التسلُّط عليهم، وأوَّلُهم الشيطان، وما سواه من باب أولى.

الأخوة الإيمانية صفة ملازمة للإيمان
نصير الفقراء و المحتاجين مولانا السلطان جلالة الملك محمد السادس نصره الله 

فقد كان - عليه الصلاة والسلام - 


يتحين الفرص ويقصد المواطن التي يستجاب فيها الدعاء، ويقصدها ليدعو بأدعية الثبات، ويسأل اللهَ فيها، وهو لنا أسوة، مع أنه المعصوم الذي غفر الله له ما تقدَّم وما تأخَّر من ذنبه، فكان يقول عن موطن السجود: ((أقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد؛ فأكْثروا الدعاء))[3]، ويستغلُّ ذلك الموطنَ العظيم بسؤال الله الأمرَ الذي يليق بذلك المقام، فيقول: ((يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك))[4].
وفي السفر، الذي هو حريٌّ بأن تُستجابَ فيه الدعواتُ، كان - عليه الصلاة والسلام - حريصًا على ذلك أيَّما حرص، مهتمًّا به أيما اهتمام، فكان من دعائه - عليه الصلاة والسلام: ((اللهم إني أعوذ بك من وعْثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحَوْر بعد الكَوْر[5]))[6].
وإذا علم العبد كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على هذا، فإنه يسير على نهجه، ويحذو حذوَه، ويستنُّ بسنته، ويقتفي أثره، فكان ذلك متحققًا بأخوة أهل الإيمان، الذين أَمَرَ الله نبيَّه بلزومهم، وألاَّ ينصرف عنهم، وذلك في قول الله - تعالى -: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 28].

ولما كانت الأخوة الإيمانية من أعظم الأمور التي تدعو إلى الثبات،

 كان الشيطان حريصًا كلَّ الحرص على فكِّ روابطها العظيمة، وكان سعيُه إلى غايته سعيًا حثيثًا، يبذل فيه كلَّ وُسْعِه وطاقته، فيجلب على المتحابِّين في الله بخَيْلِه ورَجِلِه، ويَستفْزُّ مَن استطاع منهم، ويشاركهم في الأموال والأولاد ويَعِدُهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا.
ولما كانت النجاة من كيدِه في هذا الباب عزيزةً، رتَّب الله على ذلك الفعلِ عظيمَ الثواب، الذي يغبطهم لأجله أفضلُ الخلق على الإطلاق، فأيُّ رتبةٍ أعظمُ من هذه الرتبة؟! وأي ثواب أعظم من هذا الثواب؟!
فحريٌّ بنا أن نتأمَّل كيدَه في هذا الجانب، ونحذِّر أحبابنا في الله من مكايده ومداخله الخفية.
فالأخوةُ في الله عبادةٌ تتطلب منا نيَّةً خالصة لله - تعالى - وبما أن النيات تتقلَّب؛ فإن للشيطان دورًا كبيرًا في تقلُّبها، والعمل كلما كانت مقاصدُه عند الناس أكثرَ، كان عن الإخلاص أبعدَ، وللشيطان إليه مداخل كثيرة، والصحبةُ من أكثر الأعمال اختلافًا في المقاصد بين الناس؛ لأن الصحبة مفطورٌ عليها كلُّ إنسان، والناسُ كلهم إما صاحب أو مصحوب؛ لكن تتباين مقاصدُهم، وتختلف مطالبُهم، كاختلاف ما بين السماء والأرض، فكلها دنيوية؛ ما عدا صحبة المتآخين في الله، فالناس يصحب بعضُهم بعضًا؛ إما لأجل كسبٍ مالي، أو مطمعٍ في منصب، أو لقصد شهوة من شهوات النفس، والنفس تشتهي راحتها، التي تتحصل في أمْنِها في الوطن، وغناها في المال والسكن، وتشتهي إيفاء رغباتها الجنسية بالزواج المباح، أو غيره من الزنا والسفاح، وإشباع ما فُطرتْ عليه من استئناس بحديث، أو لهو أو لعب، أو ضحك ومزاح.
وقد حَكَم الله - تعالى - في كتابه على كلِّ صحبةٍ غيرِ صحبة أهل التقوى بالزوال والانقطاع، أما صحبة أهل التقوى، فهي باقية ما بقيت السماء والأرض، بحول الله وقوَّته؛ قال الله - تعالى -: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67]؛ لأنها قامتْ على أساسٍ عظيم، وهو الإيمان بالله - تعالى - فهي تتَّسم بالصدق؛ لأن أهلها يتناصحون بينهم إذا رأى أحدُهم من الآخر خطأً، أمَّا من سواهم، فكيف يتناصحون وهم لم تَخْلُ مجالسُهم من معصية الله؟!
وأعظم خطرٍ ينبغي التحذير منه: الجرأةُ على حدود الله، وإذا لم يكن هنالك تناصحٌ في هذا الموضع الخطير، فما سواه من باب أولى.
وأهلُ الأخوة الإيمانية يَصُونُ بعضُهم أعراض بعضٍ في السرِّ والعلن، ففي العلن ينتقون أطايبَ الكلام، فلا شتيمة ولا مسبَّة بينهم، ولا حرص على فضيحة، ولا تطاول على محارم، وفي السرِّ يَذكُرون محاسنهم عند الناس، ولا يغتابونهم ولا يبهتونهم، ولا ينتهكون أعراضهم، وإن ذَكَرهم الناسُ بغِيبةٍ ذبُّوا عنهم؛ لأنهم مأمورون بذلك، وصدقُ محبَّتِهم في الله تَدْعوهم إلى الْتماس رضوان الله - تعالى - في كل أمر، أما من سواهم، فالسبُّ واللعان، والتهتُّكُ بالألفاظ الشنيعة في حضورهم وعند غيابهم - هجومٌ بقبيح الألفاظ، وذِكرٌ بالسيِّئ من الأقوال، وغيبة وبهتان وتنقص، وإن ذُكروا عندهم بسوء لم يذبُّوا عن أعراضهم؛ لأن صُحبتَهم لم تقم على أساس التقوى؛ فهي مهزوزة، وبناؤها هش من قش.
والمتآخون في الله لا تخلو مجالسُهم مِن ذِكره، وكيف لا يحصل ذلك وقد أمَرَهم مَن تحابُّوا فيه بهذا الأمر؛ فقد قال الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 41]، أما من سواهم، فالغفلةُ والإعراض عنوانُهم، وكأنهم لم يُخلَقوا لأجل العبادة، فيقومون من مجالسهم كأنهم يقومون عن جيفة حمار - عياذًا بالله.
وأهل الأخوة في الله يحبُّ بعضُهم الخيرَ لأخيه كما يحبُّ الخير لنفسه، ففي خير الدنيا يُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وفي خير الآخرة يتناصحون ويتعاونون عند لقائهم بعضهم ببعض، ويَدْعون لبعضهم البعض عند افتراقهم بأنْ يجمعهم الله عنده على سُرُرٍ متقابلين، فيؤمِّن المَلَك على دعائهم؛ جزاء من جنس العمل.
وصلى الله على نبيِّنا محمد.
[1] قال عن إسناده الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم (1728): "وهذا إسناده واهٍ، ولكن له شواهد تدل على أن له أصلاً من حديث عبدالله بن مسعود والبراء بن عازب"، ثم قال: "فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل، والله أعلم".
[2] رواه مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - برقم (178).
[3] رواه مسلم من حديث أبي هريرة، برقم (482).
[4] رواه الترمذي وأحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه، واللفظ للترمذي، الذي رواه عن شهر بن حوشب، قال: "سألتُ أمَّ سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان عندك؟ قالت... فذكره"، قال عنه الترمذي: حديث حسن، وقال الألباني معقبًا على قوله: "يعني لغيره": "وهو كما قال أو أعلى؛ لأن شهرًا هذا وإن كان سيِّئ الحفظ، فحديثه هذا له شواهدُ تقويه".
[5] قال الترمذي عن لفظ (الكور): "إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر".
[6] حديث صحيح، رواه الترمذي وأحمد وغيرهم من حديث عبدالله بن سرجس.
و في الاخير نتضرع بالدعاء لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده وبارك في عمره ومتعه بالصحة والعافية في الحل والترحال 
اللهم احفظ صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده وبارك في عمره ومتعه بالصحة والعافية في الحل والترحال 
اللهم كن له معينا ونصيرا وأعنه وانصره على أعدائه وأعداء المغرب 
اللهم احفظ بلدنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن