القائمة الرئيسية

الصفحات

خطاب المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1998-1999


خطاب المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1998-1999

نص الخطاب المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1998-1999

الحمــد لله والصــلاة والســـلام علــى رســـــول الله

حضرات السادة والسيدات النواب والمستشارين :
السلام عليكم ورحمة الله وبعد ;

زيادة على كون اجتماعي بكم اليوم هو من التزاماتي الدستورية وواجباتي التأسيسية فإنني أشعر دائما حينما التقي بكم وحينما أجتمع معكم بالود والإخلاص، الود لأنني موقن أنكم تحبونني كلكم كما أحبكم كلكم أفرادا وجماعات، أحبكم لأن كل ما يمت إلى الوطن بصلة هو محبوب عندي وفي وسط فؤادي ووجداني فأنتم ممثلون للأمة لما تتكلمون باسم الشعب المغربي فلا بد إذن أن تكون تلك الصلة وثيقة بينكم وبيني بكيفية طبيعية تلقائية لأننا من الناس الذين يجتمعون على حب الله والعمل لله وفي سبيل الوطن، أما مشاعر الإخلاص فلأن الإخلاص يجب أن يكون متبادلا بينكم وبيني، فكما أنني أخلص لكم دائما حينما أتوجه إليكم شفويا أو كتابة عليكم أن تخلصوا لي من واجب النصيحة " الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله، قال، لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " فذلك الإخلاص الذي سيجعلنا دائما نتحدث ونتحاور بروح نزيهة بآفاق نظيفة لا يشوبها سحب ولا أغراض ولا مقاصد شخصية ولا مواقف انتهازية بل طريقها ـ طريق تلك الآفاق لبلوغها ـ هو الإخلاص لوطننا ولشعبنا ولديننا الحنيف وهذا الإخلاص هو الذي جعلني دائما أتحدث إليكم في شتى النقط والمواضيع التي أريد أن ينصب اهتمامكم عليها لا فحسب في أيام الدورات المنتظمة والمنظمة، بل حتى خارج الدورات لتكون دائما بالنسبة إليكم ناقوسا يدق في عقلكم وفي قلبكم لينبهكم على أن للمغرب مواعيد مع الزمن علينا ألا نخطئها بل علينا ربما أن نسبق إليها.

حضرات السادة النواب والمستشارين:

كنت في افتتاح دورتكم ربما قبل سنتين أو ثلاث سنوات أتيتكم بأرقام للبنك الدولي في ما يخص الميادين الاجتماعية منها والتعليمية، وفي ما يخص الميادين الاقتصادية والمالية، وها أنا اليوم سأدق نفس الباب أو الأبواب ولكن بلهجة أخرى لأنني أعتقد أن التفاؤل مسألة ضرورية للدفع بالإنسان إلى السير قدما، فإذا نحن لم نقل لإنسان كلما كد واجتهد لقد وصلت إلى نتائج حسنة، لقد أصبت الهدف إن لم يكن كله فبعضه فلن يجد في نفسه القوة للاستمرار في الجهد، فعلينا إذن أن ننظر في المرآة الكبرى. للمغرب وعلينا أن نحمد الله سبحانه وتعالى ونفتخر لأسباب عدة منها:

أولا : كما تعلمون أن العاصفة المالية والاقتصادية قد هبت على كثير من الدول والقارات في العالم ولم يصمد أمامها لا قوي ولا متوسط في بعض النواحي وبعض القارات، بل حتى العمالقة أصيبوا في أسس اقتصادهم بعطب كبير وعميق، وحينما نرى الخريطة والقارة الأفريقية نجد في شمال غربها بلدا متواضعا في حجمه متوسطا بل أقل من المتوسط في عدد سكانه لا ثروات له طبيعية من تلك التي تدر عليه الخيرات والخيرات بل لديه مواطنون ولديه جنود مجندون ولديه أدمغة ولديه إرادات ولديه وطنيون نجده لا يكتفي بالصمود أمام تلك الموجة العاصفة بل يسير ويشق طريقه، نعم نعمل مع الحذر كل الحذر ولكن من ذا الذي يقول إنه في إمكان بلد سائر في طريق النمو أن ييسر لنفسه قدرا مثل الذي سأقول أي3.2في المائة من النمو في معدل زمني من 12 أو 15 سنة، حتى في بعض الدول الأوربية مثل تلك التي يقال عنها أنها متقدمة في بعض السنين لا تصل إلى هذا الرقم 3.2 في المائة، حين نرى ولله الحمد أن عملتنا محترمة وأن المتعاملين من أبناء المغرب مع الأسواق الخارجية سواء القارية أو خارج القارة الإفريقية يتعاملون باحترام ومصداقية وأن أرصدتهم المعنوية تفوق أرصدتهم المالية ، ألا يحق لنا أن نقول الحمد لله ولكن لا نقف ولا نكتفي بهذا بل نقول علينا أن نزيد في ما نحن فيه.

فهذا من المشجعات التي ستجعلنا إذا نحن تعبنا ونحن نتسلق الكدية ونحن نتعب تحت العبء اليومي والشهري والسنوي هذا يجعلنا نقول: كل من سار على الدرب وصل والحمد لله فعلي إذن أن أزيد وأن أستمر.

رقم آخر طفيف، ولكنه مهم جدا بالنسبة لنا، بين 1990 أو 1998 خلق المغرب فرصا للشغل تصل إلى 182 ألف منصب شغل سنويا، والحال أن حاجتنا في التشغيل هي 220 220 ألف، معنى ذلك أن هناك فارق 40 ألف منصب فقط سنويا، من هي هذه الدولة في العالم بأسره كيفما كان نوعها وكيفما كانت ديانتها وكيفما كانت ثرواتها التي يمكنها أن تقول إنها بخصوص ملف التشغيل قضت نهائيا على البطالة وأنها تشغل مائة في المائة ألا ترون أن 182 ألف منصب شغل سنويا إن لم تكن مئة بالمئة فهي من الحوافز التي يجب أن تدفعنا لأن نسير إلى الأمام ولأن نسير قدما وأن نفتخر ونزهو ونحمد الله متواضعين.

هذه ـ حضرات السادة ـ هي بعض الأفكار التي أريد أن تهب على أجوائكم لا في البرلمان ولا داخل أحزابكم وهيآتكم لا لتقفوا عند هذا الحد بل لتجدوا في هذه الحالة التي وضعتها أمامكم وفي هذا التصور الذي حاولت أن أضعه أمام أعينكم وتحليلكم بكم موضوعية وشفافية أن تجدوا في هذا كله دافعا وحافزا أكثر للقيام بواجبكم اليومي للمثابرة والمصابرة وحمد الله سبحانه وتعالى على جميع الأحوال.

حضرات السادة:

إنني لاحظت خلال دورتكم الماضية التي تناقشتم فيها حول قانون المالية بالخصوص والقوانين الأخرى ـ ولأتكلم معكم بكل صراحة ـ لاحظت حدة في الخطاب، ولاحظت احتداما في المعاملة، الشيء الذي أعتقد أنه لا يفيد بشيء من الأشياء في مداولات هذا المجلس، لقد أمضيتم دورات ساخنة جدا مواضيعها تدفع كما يقول العامة إلى " تسخين الطرحة " لأنها تهم بالخصوص قوانين الانتخابات والتهييئ للانتخابات فلم نصل ولم نسمع عن هذه الحدة ولا عن هذا الصراع المحتدم في قاموس .

أملي أن لا تحاولوا ولا أقول ـ أنكم تحاولون وإنكم تريدون ذلك ربما دون أن تشعروا أو تريدوا ذلك مما لا شك فيه، فالمغرب أمة واحدة وشعب واحد فلا تصنفوه يمينا ويسارا ولا تفرقوا الشعب الذي أنتم تمثلونه إلى هذا وذاك، فرقوه إن أردتم إلى فئتين ، فئة اجتهدت فأصابت ، وفئة اجتهدت فأخطأت ولكلتا الفئتين على كل حال أجر، أجران للأولى وأجر للثانية، فأعطوا رعاكم الله رعايانا الأوفياء الذين لا تتحملون فقط أمانة تمثيلهم ولكن أمانة الكلام باسمهم و التعبير عن رغباتهم ومطامحهم وحاجياتهم وضروريا تهم اليومية، أعطوهم نظرة عن مجلس فيه حماس وفيه تنافس " وفي الخير فليتنافس المتنافسون " ولكن القاسم المشترك الذي يجب أن يظهر أنه يجمعكم يجب أن يتجلى في عين الشعب المغربي أولا وفي الخارج ثانيا ـ هذا لا يهمنا كثيرا ـ في البحث المستمر عن الفضيلة إذ كما قال جمال الدين الأفغاني " لا حد للكمال ولا نهاية للفضيلة ".

والنقطة الأخيرة التي أريد أن أثير انتباهكم إليها أعضاء المجلسين الموقرين هي إذا كان في الإمكان في هذه الدورة وبكيفية سريعة أن تلائموا أكثر ما يمكن بين القانونين الداخليين لمجلس النواب ومجلس المستشارين فإذا انتم وصلتم إلى نتيجة إيجابية في هذا الموضوع وفي هذا الميدان فسيكون ذلك خطوة إيجابية ستستهل على الجميع برلمانا وحكومة العمل للنظر جديا في القوانين وبدون ضياع الوقت.

ويجب أن يكون التبادل المكوكي للقوانين بين الغرفتين محاطا بجميع الشروط وبجميع الوقائيات حتى يكون في أحسن ما يمكن وحتى يمر على أحسن ما يرام وهذا شيء يتعلق بحسن إرادتكم ولن تبخلوا بحسن إرادتكم على بلدكم العزيز.

إن المغرب اختار أن يكون ملكية دستورية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وأساس هذا المعنى هو: العدل واحترام الحقوق ،وإننا لنريد ـ وعزمنا أكيد ـ أن نطوي نهائيا في غضون الستة أشهر المقبلة ملف حقوق الإنسان، وقد توصلنا من رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بملتمسات، نقول هنا أننا قبلنا الاستجابة إلى تلك الملتمسات معطين أوامرنا السامية لأن تتحرك الآليات التي اتفق عليها أعضاء مجلس حقوق الإنسان حتى تنظر في الملفات وحتى تصفي هذا الموضوع لكي لا يبقى المغرب جارا من ورائه سمعة ليست هي الحقيقة، وليست مطابقة لماضيه ولا لواقعه ولا تفيده في مستقبله.

أظن في المواضيع التي طرقتها كفاية لهذه الدورة وإن كنت لن اشبع بالاجتماع بكم وباللقاء معكم كما قلت لكم، لأنكم من اليوم الذي تدخلون فيه إلى معمعة الانتخابات والحملة الانتخابية وأنا أرى البعض منكم على شاشة التلفزيون وأسمع خطبكم وتدخلاتكم في جلساتكم المخصصة للأسئلة الشفوية وأقرأ مقالاتكم فلا يمكنني إلا أن أحس بنوع من المحبوبية يربط بينكم وبيني وإن كنت لا أعرفكم كلكم وأريد أن أتعرف عليكم كلكم.

ونصيحة أخرى ارفعوا ـ رعاكم الله ـ ارفعوا من مستوى صحفكم فهي أساس الثقافة الشعبية الوطنية ارفعوا من مستواها ولن أزيد وسوف أختم بهاته الكلمات: إننا افتتحنا هذه الجلسة بآية الكرسي من كتاب الله العظيم، آية الحفظ آية التوحيد آية الشفاعة آية التوجه إلى الله سبحانه وتعالى إننا بهذه المناسبة نرجو الله سبحانه وتعالى أن يطهر قلوبنا وأن يهدينا سبلنا وأن يجعلنا دائما وأبدا نرى المغرب نصب أعيينا وأن نتذكر الالتزام الذي بيننا وبين الشعب المغربي لإيصاله إلى ما نريده وإلى ما يجعل أبنائنا وحفدتنا ومن تبعهم في مأمن من كل شر ومكروه.

وختاما إنني أرجو الله سبحانه وتعالى الذي يعلم في قلوبنا خيرا وسيوتينا خيرا زيادة في الخير وأقول
( ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا )

صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،،،