القائمة الرئيسية

الصفحات

 

تاريخ اليهود بالمغرب 




    دخلت اليهودية إلى المغرب منذ زمن غابر لانعلم بدايته، و الراجح أنها عرفت طريقها إليه عبر معتنقيها المضطهدين الهاربين من جيوش الملك نبوخذنصر البابلي الذي استولى على القدس و خرب هيكل سليمان عام 586ق.م و هي الفترة التي عرفت في التاريخ ببداية الشتات اليهودي الأول.


      لكن المؤكد أن اليهود كانوا جالية مهمة بالمغرب خلال القرن الثاني ق.م وهذا ماتثبته النقوش الجنائزية المكتوبة بالعبرية و اليونانية التي وجدت في موقع وليلي، و في الفترة الرومانية كانت مدن مثل سالا و لكسوس مراكز هامة للتجارة التي يديرها اليهود و خاصة الذهب و الملح.


      عند دخول الوندال إلى المنطقة عام 429م  تحالفوا مع اليهود المغاربة الذين تمتعوا بحرية التدين لمدة قرن، لكن الأمور تعقدت بالنسبة لهم بعد مجيئ البيزنطيين عام 533م،حيث عمل هؤلاء على اضطهاد اليهود و الوثنيين و إرغامهم على اعتناق المسيحية، و رغم ذلك استمر توافد اليهود إلى المغرب هاربين من قمع القوط المسيحيين في إسبانيا و الذي كان أشد عنفا.


       بعد مجيئ الإسلام إلى المغرب في بداية القرن الثامن الميلادي دخل اليهود تحت حماية المسلمين و أصبحوا من أهل الذمة مثل المسيحيين، واستمروا في أنشطتهم التجارية  بعيدا عن مشاكل السياسة حتى وقعت مذبحة فاس في عام 1033م، حيث قام تميم زعيم قبيلة بني يفرن بقتل حوالي 6 آلاف يهودي بفاس أثناء محاولته السيطرة على المدينة  المتنازع عليها بين مجموعة من القبائل الأمازيغية على غرار قبيلة زناتة، مكناسة و مغراوة، وذلك في أعقاب سقوط إمارة الأدارسة.


     كان حكم المرابطين فترة هادئة بالنسبة لليهود عكس الموحدين الذين كانت إيديولجيتهم تحتم عليهم اضطهاد المخالفين لهم كاليهود و المسيحيين و حتى معتنقي باقي المذاهب الإسلامية، وتذكر وثيقة معاصرة قتل نحو 150 يهوديا في سجلماسة في عام 1165م.


     لكن تعامل الموحدين مع مخالفيهم في العقيدة أصبح أكثر تسامحا بعد حملاتهم العسكرية في شمال إفريقيا و إسبانيا، فاستعاد اليهود حرية التدين و أعادوا فتح بيعهم و معابدهم،و يذكر مرجع يهودي مصري من القرن الثالث عشر وجود أكثر من 17 جالية يهودية بالمغرب.


     و بين عامي 1391 و 1492 خلال فترة حروب الاسترداد تعرضت الجاليات اليهودية في الأندلس لاضطهاد شديد، الشيء الذي دفعها إلى اللجوء إلى المغرب عبر هجرات متتالية و استقر أغلبها في مكناس و الرباط و تطوان و دبدو و خصوصا فاس التي عرفت تأسيس أول ملاح خاص باليهود عام 1438م.


     خلال فترة الحكم السعدي بدأ اليهود يكونون نخبة من التجار و الصناع خصوصا في الحرف التي كانت محرمة على المسلمين كصناعة المجوهرات و تجارة المعادن النفيسة و  الملاحة البحرية و إنتاج النبيذ..لكن أغلبية اليهود المغاربة كانوا فقراء و خصوصا الذين يعيشون في القرى و الأرياف.


     عرف القرن السابع عشر توافد عدد من العائلات اليهودية الأوربية خصوصا من فرنسا و هولندا و استقرت في طنحة و لعبت دروا في الوساطة بين التجار الإنجليز و المغرب، كما ساند اليهود المغاربة المولى رشيد في تأسيس الدولة العلوية عام 1667م.


    قام سيدي محمد بن عبد الله بتأسيس مدينة الصويرة عام 1764م و شجع اليهود على الاستقرار بها و تعميرها كما منحهم حق التجارة مع الأوربيين و أصبح يطلق عليهم تجار السلطان،  فيما ظلت أكادير تتاجر مع الصحراء.


     لكن خلال حكم المولى سليمان (1792-1822) الذي عرف عهده بسياسة الاحتراز أصبح الملاح يتواجد في كل المدن المغربية و أضحى سكانه مقيدي الحركة و التنقل و يلبسون أزياء تميزهم عن المسلمين باستثناء الصويرة التي حافظ يهودها النبلاء على قليل من الحرية، وكذلك اليهود الأمازيغيين في القرى و الجبال و خارح المدن عموما الذين عاشوا بدون مركب نقص و في تعايش تام مع المسلمين، و استمر الحال هكذا خلال القرن التاسع عشر.


    ابتداءا من أوائل القرن العشرين أصبح اليهود يلعبون دورا أكبر في الشأن المحلي و أصبحوا يتمتعون بحرية أكبر حيث غادرت العائلات الملاح و استقرت في الأحياء الالجديدة  مثل الدار البيضاء و الرباط..

       وكان عدد اليهود المغاربة عام 1948 ( عشية بداية الهجرة إلى إسرائيل )  حوالي 265 ألف شخص يمثلون أكبر جالية يهودية في العالم العربي و الإسلامي الشيء الذي يؤكد على أن الظروف كانت أكثر أمانا و تسامحا لليهود في المغرب أكثر  من أي مكان آخر..

     و أشهر مؤلف عن تاريخ اليهود بالمغرب هو كتاب : " ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب "  للمؤرخ المغربي حاييم الزعفراني (1922-2004).

محتويات الموضوع